أبو حامد الغزالي
291
تهافت الفلاسفة
هذا إنما يمكن بمشيئة مختلفة ، باختلاف الأحوال ، أما المشيئة الأزلية ، فلها مجرى واحد مضروب ، لا تتبدل عنه ، لأن الفعل مضاه للمشيئة ، والمشيئة على سنن واحد لا تختلف بالإضافة إلى الأزمان . وزعموا « 1 » أن هذا لا يناقض قولنا : إن اللّه تعالى قادر على كل شئ ، فإنا نقول : إن اللّه تعالى قادر على البعث والنشور وجميع الأمور الممكنة ، على معنى « 2 » أنه لو شاء ، لفعل ، وليس من شرط صدق قولنا هذا ، أن يشاء ولا « 3 » أن يفعل ، وهذا كما أنا نقول : إن فلانا قادر على أن يجز رقبة نفسه ، ويبعج بطن نفسه ، ويصدق ذلك ، على معنى أنه لو شاء لفعل ، ولكنا نعلم أنه لا يشاء ولا يفعل ، وقولنا : لا يشاء ، ولا يفعل ، لا يناقض قولنا : إنه قادر ، بمعنى أنه لو شاء لفعل فإن الحمليات لا تناقض الشرطيات ، كما ذكر في المنطق ، إذ قولنا : لو شاء لفعل ، شرطي موجب ، وقولنا : ما شاء ، وما فعل ، حمليتان سالبتان ، والسالبة الحملية ، لا تناقض الموجبة الشرطية . فإذن الدليل ، الذي دلنا على أن مشيئته أزلية ، وليست متغيرة ، يدلنا على أن مجرى الأمر الإلهى ، لا يكون إلا على انتظام واتساق بالتكرر والعود ، وإن اختلف في آحاد الأوقات ، فيكون اختلافه أيضا على انتظام واتساق ، بالتكرر والعود ، وأما غير هذا ، فلا يمكن . والجواب ، أن هذا استمداد من مسألة قدم العالم ، وأن المشيئة قديمة ، فليكن العالم قديما ، وقد أبطلنا ذلك وبينا أنه لا يبعد في العقل ، وضع ثلاثة أقسام ، وهي :
--> ( 1 ) يعنى الفلاسفة . ( 2 ) هذا التصوير لمعنى القدرة على لسان الفلاسفة موجود بالنص في كتب المتكلمين ، انظر بحث القدرة في كتاب المواقف . ( 3 ) « لا » مؤكدة للنفي السابق ولو حذفت لكان أوضح .